عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

399

معارج التفكر ودقائق التدبر

عقولهم ، وجهلهم بأنّ خريطة نفوسهم موجودة بكاملها في جزء صغير في داخل الخليّة الأولى الّتي كوّنها اللّه في بدء خلق كلّ واحد من النّاس ، وبنى بعد ذلك أجسادهم عليها وضمن صفات مخطّطها . هذا الانحطاط الفكريّ لديهم يلائمه أن يقال في معالجتهم : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ أي : ومع أنّ السّماوات والأرض أكبر من خلق النّاس فهي كلّها مسخّرة للّه ، تسير طائعة لما يجري للّه فيها بأمره . فما للإنسان المستكبر يتعالى ويتعاظم عن طاعة اللّه ، وعبادته بالرّكوع والسّجود والتّذلّل له ، ويجادل في آياته دون أن تكون لديه حجّة صحيحة يعتذر بها عند ربّه ؛ وكلّ ذرّة فيه واقعة تحت تصاريف قضاء اللّه وقدره ، لكن منحت له حرّيّة الإرادة لاختباره ، فاستكبر ، وتمرّد على ربّه ، فكفر به ، وصار يجادل في آيات اللّه بالباطل ؟ ! . هذا الفهم ينسجم مع خطاب اللّه عزّ وجلّ للمستكبر في سورة ( الإسراء / 50 ) : * وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا ( 37 ) : وقد سبق تدبّر هذه الآية في موضعها من سورة ( الإسراء ) . فالمستكبر يشعر في نفسه العظمة الّتي تنحو منحى الاستكبار الجسديّ ، فحقّره اللّه بأنّ الجبال أطول منه ، وأنّ الأرض أصلب منه . وأبان هنا في سورة ( غافر ) للمستكبر الكافر الجاحد أنّ السّماوات والأرض في منظار الكبر الجسدي المادّيّ أكبر من خلق الناس كلّهم ، فلا تتكبّروا أيّها الكافرون الجاحدون . * . . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) : أي : ولكنّ أكثر النّاس لا يرغبون في أن يعلموا حقائق الأمور ، الّتي تقتضي كفّهم عن اتّباع أهوائهم وشهواتهم الجانحة المتجاوزة حدود الحقّ وصراط اللّه المستقيم ، الّذي أمر